الذهبي
193
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
تبدّل الأمور والأحوال دورانه ، واستوفى أكثر الكفاة في الدّولة أعمارهم ، وانقرض من الصّدور بقايا آثارهم . واحتاجت المملكة إلى من يلمّ شعثها ، وينفي خبثها ، ويحلّ صدر الوزارة مستحقّها ، ويرجحن بالظّلم جانب النّصفة وشتّها ، فاقتضى الرأي المصيب الاستضاءة في الملك بنور رأيه ، فصار الأمر عليه فرض عين ، ووقع الاختيار عليه من البين . والتزم قصر اليد عن الرّشاء والتّحف ، وإحياء رسوم العدل والإنصاف . وهو الآن على المسيرة الّتي التزمها يستفرغ في مناقبة أهل العلم أكثر أوقاته ، صرف اللَّه عنه بوائق الدّهر وآفاته . وذكر الكثير من هذا . - حرف العين - 170 - عبد الملك الطّبريّ [ ( 1 ) ] . الزّاهد ، شيخ الحرم في زمانه . ذكره ابن السّمعانيّ في « ذيله » فقال : كان أحد المشهورين بالزّهد والورع : أقام بمكّة قريبا من أربعين سنة على الجهد والاجتهاد وفي العبادة ، والرّياضة ، وقهر النّفس . وكان ابتداء أمره أنّه كان يتفقّه في المدرسة ، فلاح له شيء فخرج على التّجريد إلى مكّة ، وأقام بها . وكان يلبس الخشن ، ويأكل الخشب ، ويزجي وقته على ذلك صابرا . سمعت أبا الأسعد هبة الرحمن القشيريّ يقول : لمّا كنت بمكّة أردت زيارته فأتيته فوجدته محموما منطرحا ، فتكلّف وجلس ، وقال : أنا إذا حممت أفرح بذلك ، لأنّ النّفس تشتغل بالحمّى ، فلا تشغلني عمّا أنا فيه ، وأخلو بقلبي كما أريد . وقال الحسين الزّغنديّ : رأيت حوضا يقال له عنبر ، والماء في أسفله ، بحيث لا تصل إليه اليد ، فرأيت غير مرّة أنّ الشّيخ عبد الملك توضّأ منه ، وارتفع الماء إلى أن وصل إليه ، ثمّ غار الماء ، ونزل بعد فراغه .
--> [ ( 1 ) ] ذكره ابن السمعاني في ( المذيل على الأنساب ) .